أبي محمد القاسم بن علي الحريري البصري
100
مقامات الحريري ( المقامات الأدبية )
عليهما يجمع بين الأخيار والأشرار إلى أن تراضيا بعد اشتطاط اللّدد « 1 » ، بالتّنافر « 2 » إلى والي البلد . وكان ممّن يزنّ « 3 » بالهنات « 4 » ، ويغلّب حبّ البنين على البنات . فأسرعا إلى ندوته « 5 » ، كالسّليك في عدوته « 6 » . فلمّا حضراه ، جدّد الشّيخ دعواه ، واستدعى « 7 » عدواه « 8 » . فاستنطق الغلام وقد فتنه بمحاسن غرّته « 9 » ، وطرّ عقله « 10 » بتصفيف طرّته « 11 » . فقال إنّها أفيكة أفّاك « 12 » ، على غير سفّاك « 13 » ، وعضيهة « 14 » محتال « 15 » ، على من ليس بمغتال « 16 » . فقال الوالي للشّيخ : إن شهد لك عدلان من المسلمين ، وإلّا فاستوف منه اليمين . فقال الشّيخ : إنّه جدّله « 17 » خاسيا « 18 » ، وأفاح « 19 » دمه خاليا ، فأنّى لي « 20 » شاهد ، ولم يكن ثمّ مشاهد « 21 » ؟ ولكن ولّني تلقينه اليمين « 22 » ، ليبين « 23 » لك أيصدق أم يمين « 24 » ؟ فقال له : أنت المالك لذلك ، مع وجدك المتهالك « 25 » ، على ابنك الهالك . فقال الشّيخ
--> ( 1 ) الاشتطاط تجاوز الحد في كل شيء واللدد شدة الخصومة . ( 2 ) أي طلب التحاكم . ( 3 ) يتهم ويعاب من زننته بكذا أي اتهمته به . ( 4 ) أي بالقاذورات كناية عن الغلمان . ( 5 ) أي مجلسه . ( 6 ) السليك بن السلكة بضم السين وفتح اللام فيهما أحد السعاة الأربعة المضروب بهم المثل في العدو والثلاثة تأبط شرّا والشنفرى وعمرو بن أمية الضمري . ( 7 ) أي طلب . ( 8 ) إعانته يقال استعديت الأمير على فلان فأعداني أي استعنته فأعانني والاسم العدوي . ( 9 ) أي وجهه . ( 10 ) أي شقه . ( 11 ) بتسوية شعر ناصيته . ( 12 ) أي كذبة كذاب والإفك أسوأ الكذب . ( 13 ) هو الفاتك والقاتل . ( 14 ) بهتان . ( 15 ) من الحيلة . ( 16 ) المغتال هو القاتل على غرّة وهي الغفلة . ( 17 ) صرعه على الجدالة وهي الأرض . ( 18 ) بعيدا فقلب الهمزة للازدواج . ( 19 ) أي أراق وأسال . ( 20 ) أي فمن أين لي . ( 21 ) أي هناك راء ومعاين . ( 22 ) أي الحلف وسمي يمينا لأن الرجل كان لا يحلف لآخر حتى يبسط إليه يمنى يديه فيصافحه ثم كثر ذلك . ( 23 ) أي ليتضح . ( 24 ) أي أم يكذب من المين وهو الكذب ومنه قول بعضهم إنّا إنّا وربنا ما منا أي إنا أعيينا من الأين وهو الإعياء وما منا أي ما كذبنا . ( 25 ) الشديد البالغ .